زكريا القزويني
66
آثار البلاد واخبار العباد
وبها الأحقاف وهي الآن تلال من الرمل بين عدن وحضر موت ، وكانت مساكن عاد أعمر بلاد اللّه وأكثرها عمارة وزرعا وشجرا ، فلمّا سلّط اللّه تعالى عليهم الريح طمّها بالرمل ، وهي إلى الآن تحت تلك الأحقاف ، جعلها اللّه تعالى عبرة للناظرين وخبرة للغابرين ، كما قال تعالى : أو لم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، كانوا أكثر منهم وأشدّ قوّة ، وأثاروا الأرض وعمروها أكثر ممّا عمروها . وبها قصران من قصور عاد ، ولمّا بعث معاوية عبد الرحمن بن الحكم إلى اليمن واليا ، بلغه أن بساحل عدن قصرين من قصور عاد وان في بحرها كنزا ، فطمع فيه وذهب في مائة فارس إلى ساحل عدن إلى أقرب القصرين فرأى ما حولهما من الأرض سباخا بها آثار الآبار ، ورأى قصرا مبنيّا بالصخر والكلس ، وعلى بعض أبوابه صخرة عظيمة بيضاء مكتوب عليها : غنينا زمانا في عراضة ذا القصر * بعيش رخيّ غير ضنك ولا نزر يفيض علينا البحر بالمدّ زاخرا * وأنهارنا بالماء مترعة تجري خلال نخيل باسقات نواضر * تأنّق بالقسب المجزّع والتّمر ونصطاد صيد البرّ بالخيل والقنا * وطورا نصيد النّون من لجج البحر ونرفل في الخزّ المرقّم تارة * وفي القزّ أحيانا وفي الحلل الحضر يلينا ملوك يبعدون عن الحنا * شديد على أهل الخيانة والغدر يقيم لنا من دين هود شرائعا * ويؤمن بالآيات والبعث والنّشر إذا ما عدوّ حلّ أرضا يريدنا * برزنا جميعا بالمثقّفة السّمر نحامي على أولادنا ونسائنا * على الشّهب والكمت المعانيق والشّقر نقارح من يبغي علينا ويعتدي * بأسيافنا حتى يولّون بالدّبر ثمّ مضى إلى القصر الآخر وبينهما أربعة فراسخ ، فرأى حوله آثار الجنان